سيد محمد طنطاوي
172
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
اللاحقة التي من جملتها أنتم . الكل مجموعون ومسوقون إلى المحشر في وقت واحد محدد في علم اللَّه - تعالى - . وعند ما يأتي هذا الوقت ماله من دافع . فالميقات هنا : بمعنى الوقت والأجل ، والمراد به هنا : يوم القيامة . ووصفه - سبحانه - بأنه معلوم ، للإشعار بكونه معينا وواقعا وقوعا لا ريب فيه ، ولكن في الوقت الذي يشاؤه اللَّه - تعالى - ويختاره . ثم بين - سبحانه - ما سيحل بهم من عذاب في هذا اليوم فقال : * ( ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ، لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ . . . ) * . والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - : * ( إِنَّ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ . . . ) * وداخلة في حيز القول . و * ( ثُمَّ ) * للتراخي الزماني أو الرتبى والخطاب للمشركين الذين أعرضوا عن دعوة النبي صلى اللَّه عليه وسلم . و * ( مِنْ ) * في قوله : * ( مِنْ شَجَرٍ ) * ابتدائية ، وفي قوله : * ( مِنْ زَقُّومٍ ) * بيانية . وشجر الزقوم : لا وجود له في الدنيا ، وإنما يخلقه اللَّه - تعالى - في النار كما يخلق غيره من أصناف العذاب ، كالحيات والعقارب . . وقيل : هو شجر سام ، متى مسه جسد إنسان ، تورم هذا الإنسان ومات ويوجد هذا الشجر في الأراضي المجدبة المجاورة للصحراء . والزقوم من التزقم ، وهو ابتلاع الشيء الكرية ، بمشقة شديدة . . والمعنى : ثم قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل التقريع والتبكيت : إنكم أيها الضالون عن الحق . المكذبون بالبعث والجزاء ، لآكلون يوم القيامة من شجر ، هو شجر الزقوم ، الذي هو أخبث الشجر وأبشعه . . . * ( فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ ) * أي : فمالئون من هذه الشجرة الخبيثة بطونكم ، لشدة الجوع الذي حل بكم . . وجاء الضمير مؤنثا في قوله : * ( مِنْهَا ) * لأن الشجر هنا بمعنى الشجرة ، أو لأن ضمائر الجمع لغير العاقل تأتى مؤنثة في الغالب . ثم قال - تعالى - : * ( فَشارِبُونَ عَلَيْه مِنَ الْحَمِيمِ . فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ) * والضمير في قوله : * ( عَلَيْه ) * يعود على الأكل المستفاد من قوله : * ( لآكِلُونَ ) * . . أي : ثم إنكم أيها الضالون المكذبون بعد هذا الأكل الخبيث من شجرة الزقوم . . تشربون . عليه في بطونكم - ماء - قد بلغ أقصى درجات الحرارة ، فصرتم في شرابكم كالإبل العطاش